هَزُلت...
الفضل شلق
«لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ »
بات واضحاً ان الطبقة السياسية في لبنان هي بحاجة لمن «يمسك بيدها» كي تستطيع انتخاب رئيس للجمهورية، علماً بأن وجود رئيس او عدمه يعني بقاء الجمهورية او عدمه. هزلت هذه الطبقة السياسية لأنها فشلت، فشلت أساساً في قيادة شعبها وفي تحقيق امانيه وتلبية حاجاته. فشلت في حل التناقضات العميقة التي يعاني منها النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي. فشلت في تمثيل شعبها. نجحت فقط في رفع مستوى التوتر الطائفي والمذهبي.
اعتمد النظام اللبناني قبل عام 1975 على التجارة الخارجية لا على الإنتاج المحلي. كانت قاعدته الاجتماعية، بالتالي، ضيقة. فكان بحاجة دائمة الى حماية خارجية. وعندما انعدمت الضوابط الخارجية تفجر الوضع الداخلي.
اعتمد النظام اللبناني بعد الطائف على التمويل الخارجي، لا على الإنتاج المحلي، فضاقت قاعدته الاجتماعية، ووصل الى النتيجة ذاتها، مع فارق غير قليل الأهمية. في ظل هيمنة المصالح التجارية كان يغلب حساب الإيرادات والنفقات، فتوازنت موازنة الدولة. مع غلبة المصالح المالية حالياً، هناك إيداعات مالية ضخمة تبلغ، كما يقال، حوالى سبعين مليار دولار، يشتد السرور بها. تزول ضرورة موازنة الحسابات. يتفاقم الإنفاق الاستهلاكي. يتراكم الدين العام. ينعم اللبنانيون بإنفاق استهلاكي عالٍ، يدخلون في حالة إنكار للوقائع، إنكار لضرورة العمل والانتاج، يلقون ملامة الدين العام على الإعمار لا على ما لا تفعله ايديهم. تبقى انظارهم متوجهة للخارج. تبهرهم ضخامة الإيداعات المصرفية.
لم يكن التوتير الطائفي، ورفع مستوى التشنجات المذهبية، اكثر من برنامج هرب الى الأمام. كان ضرورياً لدى الطبقة السياسية، التي تعيش حالة إنكار دائمة، تقديم ما هو طائفي على ما هو طبقي. في الطائفية يمكن مصادرة العواطف عن طريق الخوف والتخويف، عن طريق الإيهام بأن الوجود هو ما يتعرض للخطر؛ وهذا هو ما دفع ايديولوجيا الهوية الى نهايتها المطلقة، حيث تسيطر «النحن» على «الأنا» سيطرة كاملة، فتصير تلبية حاجات «الأنا»، الفرد البشري ـ الكائن الحي، امراً غير ذي بال.
تراجع السعي من اجل القضايا المطلبية، تلاشى الاهتمام بالامور المعيشية لجمهور الناس.
صار الانتماء الطبقي يلهث وراء الانتماء الطائفي. كان ذلك مبرمجاً. اذ استطاع القادة المبجلون عن طريق وسائل الاعلام والاعلان، ووسائل اخرى، تغيير مواقع الطوائف ومواقفها.
لكن الوطن ليس حساباً مصرفياً. والدولة ليست جابياً للايرادات من اجل سداد الدين العام. الوطن اولاً مجتمع، ناس، بشر، افراد، فئات، تجمعات، جماعات، حاجات، رغبات، الخ... والرغبات هي التعبير عن حاجات الناس، والسياسة لا هدف لها، اذا اريد لها ان تكون سياسية حقيقة، الا التعبير عن رغبات الناس. اين رغبات الناس فيما جرى ويجري بين اهل السياسة في لبنان؟ لذلك نقول هزلت. هزلت لأن السياسة انحدرت الى مجرد صراع على السلطة؛ صراع على السلطة دون قضية. ولا قضية الا الناس كما هم، كما يريدون هم التعبير عن انفسهم.
انزلقت الطبقة السياسية من السياسة الى الفتنة، تخلت عن سبب وجودها وهو قيادة المجتمع من اجل انتظامه. الفتنة يلزمها نوع آخر من الادارة . للمال اهله، للسياسة اهلها، للعنف اهله، الخ .... مع زوال السياسة تتفشى الفوضى، المنظمة او الفالتة من عقالها. يتقدم الأمن على كل شيء. يصير هو النموذج المرتجى، ينعم اهل العنف بسلطتهم الجديدة. الفتنة اشد المحرمات هولاً. الاولوية للامن: حماية ارواح الناس وممتلكاتهم.
هناك كتلة مالية كبيرة في المصارف تتطلب من يحيمها، وكتلة كبيرة من الديون العامة تتطلب من يجبيها. مع الامن يتغير شكل الدولة، وتتغير مهام النظام. النظام المصرفي يعرف ما يناسبه من اشكال السلطة في كل مرحلة. اما شأن المواطن، فهو ان يتعود على القيام بما يطلب منه دون ان يطلب منه؛ عليه ان يعرف واجباته مسبقاً كي يعتبر مواطناً صالحاً.
صدرت كتب عديدة في الولايات المتحدة بعنوان «نهاية الديموقراطية».
اما عندنا فلا لزوم لذلك. نقرأ، نعرف البرنامج. هم يرسمونه ونحن ننفذ، هكذا نكون اكثر انسجاماً مع متطلبات الامبراطورية الاميركية.
هزلت وبان هزال الطبقة السياسية: لم تعرف كيف تتصرف كي تمثل شعبها وتهتم بقضاياه وتجد الحلول لها؛ او هي عرفت كيف تتصرف استجابة لمتطلبات غير شعبها؟ هذا ما يحدث، ربما، في بلد يكون الخارج أقوى من الداخل فيه.
اقرت الطبقة السياسية بفشلها، وعجزت عن انتخاب رئيس في المهلة المحددة دستورياً. خرجت على الدستور. وهي الآن في طور تنظيم الفراغ. تريد تنظيم الفراغ الى حين يأتي الوقت الذي تستطيع فيه إعادة الدستور الى نصابه. يعتقدون ان الوقت سوف يسمح لهم بهذا الأمر دون تعقيدات امنية. نتمنى ذلك، وإن كان لا يبدو في الافق ما يشير الى هذه الامكانية.
ليس علينا إلا الصبر، بانتظار ما يخبئه لنا المستقبل. لن نطالبهم بعطل وضرر. سيدفع الوطن ثمناً كبيراً.
بات واضحاً ان الطبقة السياسية في لبنان هي بحاجة لمن «يمسك بيدها» كي تستطيع انتخاب رئيس للجمهورية، علماً بأن وجود رئيس او عدمه يعني بقاء الجمهورية او عدمه. هزلت هذه الطبقة السياسية لأنها فشلت، فشلت أساساً في قيادة شعبها وفي تحقيق امانيه وتلبية حاجاته. فشلت في حل التناقضات العميقة التي يعاني منها النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي. فشلت في تمثيل شعبها. نجحت فقط في رفع مستوى التوتر الطائفي والمذهبي.
اعتمد النظام اللبناني قبل عام 1975 على التجارة الخارجية لا على الإنتاج المحلي. كانت قاعدته الاجتماعية، بالتالي، ضيقة. فكان بحاجة دائمة الى حماية خارجية. وعندما انعدمت الضوابط الخارجية تفجر الوضع الداخلي.
اعتمد النظام اللبناني بعد الطائف على التمويل الخارجي، لا على الإنتاج المحلي، فضاقت قاعدته الاجتماعية، ووصل الى النتيجة ذاتها، مع فارق غير قليل الأهمية. في ظل هيمنة المصالح التجارية كان يغلب حساب الإيرادات والنفقات، فتوازنت موازنة الدولة. مع غلبة المصالح المالية حالياً، هناك إيداعات مالية ضخمة تبلغ، كما يقال، حوالى سبعين مليار دولار، يشتد السرور بها. تزول ضرورة موازنة الحسابات. يتفاقم الإنفاق الاستهلاكي. يتراكم الدين العام. ينعم اللبنانيون بإنفاق استهلاكي عالٍ، يدخلون في حالة إنكار للوقائع، إنكار لضرورة العمل والانتاج، يلقون ملامة الدين العام على الإعمار لا على ما لا تفعله ايديهم. تبقى انظارهم متوجهة للخارج. تبهرهم ضخامة الإيداعات المصرفية.
لم يكن التوتير الطائفي، ورفع مستوى التشنجات المذهبية، اكثر من برنامج هرب الى الأمام. كان ضرورياً لدى الطبقة السياسية، التي تعيش حالة إنكار دائمة، تقديم ما هو طائفي على ما هو طبقي. في الطائفية يمكن مصادرة العواطف عن طريق الخوف والتخويف، عن طريق الإيهام بأن الوجود هو ما يتعرض للخطر؛ وهذا هو ما دفع ايديولوجيا الهوية الى نهايتها المطلقة، حيث تسيطر «النحن» على «الأنا» سيطرة كاملة، فتصير تلبية حاجات «الأنا»، الفرد البشري ـ الكائن الحي، امراً غير ذي بال.
تراجع السعي من اجل القضايا المطلبية، تلاشى الاهتمام بالامور المعيشية لجمهور الناس.
صار الانتماء الطبقي يلهث وراء الانتماء الطائفي. كان ذلك مبرمجاً. اذ استطاع القادة المبجلون عن طريق وسائل الاعلام والاعلان، ووسائل اخرى، تغيير مواقع الطوائف ومواقفها.
لكن الوطن ليس حساباً مصرفياً. والدولة ليست جابياً للايرادات من اجل سداد الدين العام. الوطن اولاً مجتمع، ناس، بشر، افراد، فئات، تجمعات، جماعات، حاجات، رغبات، الخ... والرغبات هي التعبير عن حاجات الناس، والسياسة لا هدف لها، اذا اريد لها ان تكون سياسية حقيقة، الا التعبير عن رغبات الناس. اين رغبات الناس فيما جرى ويجري بين اهل السياسة في لبنان؟ لذلك نقول هزلت. هزلت لأن السياسة انحدرت الى مجرد صراع على السلطة؛ صراع على السلطة دون قضية. ولا قضية الا الناس كما هم، كما يريدون هم التعبير عن انفسهم.
انزلقت الطبقة السياسية من السياسة الى الفتنة، تخلت عن سبب وجودها وهو قيادة المجتمع من اجل انتظامه. الفتنة يلزمها نوع آخر من الادارة . للمال اهله، للسياسة اهلها، للعنف اهله، الخ .... مع زوال السياسة تتفشى الفوضى، المنظمة او الفالتة من عقالها. يتقدم الأمن على كل شيء. يصير هو النموذج المرتجى، ينعم اهل العنف بسلطتهم الجديدة. الفتنة اشد المحرمات هولاً. الاولوية للامن: حماية ارواح الناس وممتلكاتهم.
هناك كتلة مالية كبيرة في المصارف تتطلب من يحيمها، وكتلة كبيرة من الديون العامة تتطلب من يجبيها. مع الامن يتغير شكل الدولة، وتتغير مهام النظام. النظام المصرفي يعرف ما يناسبه من اشكال السلطة في كل مرحلة. اما شأن المواطن، فهو ان يتعود على القيام بما يطلب منه دون ان يطلب منه؛ عليه ان يعرف واجباته مسبقاً كي يعتبر مواطناً صالحاً.
صدرت كتب عديدة في الولايات المتحدة بعنوان «نهاية الديموقراطية».
اما عندنا فلا لزوم لذلك. نقرأ، نعرف البرنامج. هم يرسمونه ونحن ننفذ، هكذا نكون اكثر انسجاماً مع متطلبات الامبراطورية الاميركية.
هزلت وبان هزال الطبقة السياسية: لم تعرف كيف تتصرف كي تمثل شعبها وتهتم بقضاياه وتجد الحلول لها؛ او هي عرفت كيف تتصرف استجابة لمتطلبات غير شعبها؟ هذا ما يحدث، ربما، في بلد يكون الخارج أقوى من الداخل فيه.
اقرت الطبقة السياسية بفشلها، وعجزت عن انتخاب رئيس في المهلة المحددة دستورياً. خرجت على الدستور. وهي الآن في طور تنظيم الفراغ. تريد تنظيم الفراغ الى حين يأتي الوقت الذي تستطيع فيه إعادة الدستور الى نصابه. يعتقدون ان الوقت سوف يسمح لهم بهذا الأمر دون تعقيدات امنية. نتمنى ذلك، وإن كان لا يبدو في الافق ما يشير الى هذه الامكانية.
ليس علينا إلا الصبر، بانتظار ما يخبئه لنا المستقبل. لن نطالبهم بعطل وضرر. سيدفع الوطن ثمناً كبيراً.