أُمورٌ مُغيظة
... ولأنّ كثيرين من القرّاء أعجبتْهم أُموري المغيظة في العدد الماضي، فقد قرّرتُ أن أسترسلَ في حلقةٍ ثانيةٍ، مقتصرًا الحديثَ هذه المرّةَ على بعضِ المفردات أو التعبيرات القديمة/الجديدة المتداولةِ في الساحة السياسية/الثقافية العربية ــ ولاسيّما اللبنانية.
1 ـ الحضاري. يا لطيف كم تتردّد هذه الكلمة على ألسنة السياسيين اللبنانيين! المصيبة أنّ أكثر مَنْ يردِّدونها هم أمراءُ حربٍ سابقون، انتقلوا بسرعةٍ (غيرِ) قياسية من "البربرية" إلى الحضارة.
وكلمة "الحضاري" تأتي في الخطاب السياسي اللبناني، تحديدًا، نقيضًا لمفرداتٍ كثيرةٍ أخرى مثل: "الهمجي،" "الغوغائي،" "الإرهابي،" "الفوضوي"... وشاعت تلك اللفظةُ (أي "الحضاري") على لسان جورج عدوان، ووليد جنبلاط، وفارس سعيْد، بشكل خاصّ، وإنْ لم يَسْلَمْ منها بعضُ أطراف 8 آذار الذين يحاولون أحيانًا أن يُوحوا بأنّهم لا يقلّون "حضارةً" عن 14 آذار... حتى لو كانوا "مسلمين"! وبين 8 آذار و14 آذار، هناك التيارُ الأكثرُ تعبيرًا عن "الحضارة،" عنيتُ التيارَ العوني.
التصرُّف الحضاري عند جماعة 14 آذار، تخصيصًا، له مظاهرُ متعدِّدة: تظاهرات "منضبطة"، ملوَّنة، رقميّة، تَسْتخدم الخِبْراتِ "الساتشيّةَ والساتشيّة،" واللغةَ الاختزالية (بتأثيرٍ واضحٍ من كتابة الرسائل الخلوية والإلكترونية). ويَعْتمد التصرُّفُ الحضاريُّ في التعبير عن الآراء على الرسوم، والتجهيزات الفنية تحديدًا... حتى لو كانت الرسالةُ عنصريةً، من قبيل "سورية اطلعي برّة" (وباستخدامِ المكانِسِ والقباقيب الحضارية طبعًا) و"فاجأناكُم موووو"؟
أمّا حين يَحْدث خَلَلٌ أو شغبٌ ما في التصرّف الحضاري، فإنّ الأصابعَ تتّجه فورًا إلى "الغرباء،" "المندسّين،" "الفلسطينيين" (وخاصةً جبريل وحماس)، و"السوريين"... حتى حين يكون هؤلاء المندسّون من جملةِ فئاتٍ مغبونةٍ جاءت بها المجموعاتُ الحضاريةُ نفسُها لزيادة أعدادها، على نحوِ ما حَدَثَ في تظاهرةِ الأشرفية حين أحرقَ "المندسّون" القنصليةَ الدانمركية. فالحضاريون، طبعًا، لا يُمْكن إلاّ أن يكونوا منضبطين، وسلميين، لأنّهم ـ ببساطة ـ حضاريون (عرفتوا كِيفْ؟). أليس زعماؤهم أنفسُهم (أو بعضهم) هم الذين خاضوا المعاركَ الحضاريةَ طوال 17 سنة، فَهَدَموا البلدَ، قبل أن يأتي حضاريون آخرون ليعيدوا بناءه "حضاريًّا" أيضًا وبإعطاءِ أصحابِ الحقوق حقوقَهم "كاملةً"... مع حبّةِ مِسْك؟ أمّا المشاغبون فَهُم الغرباء عن طبيعة أهل البلد؛ إنّهم "الآخرون" الذين يشنّون حروبَهم على أرضنا ـ بحسب اللغة التويْنيّة المعروفة.
وعلى سيرة عميد جريدة النهار، فقد لَفَتَتْني ملاحظةُ موكار دوتورتو، وهو المديرُ العامّ لمجموعةِ صحفٍ مناطقيةٍ فرنسية، وكان قد زار مبنى الجريدة مع وفدِ أصحابِ صحفٍ مماثلة. قال لـ النهار: "لبنان متمدّنٌ في ظاهره، وتاريخُه رائعٌ ومتسامحٌ يستوعب الجميعَ." لا نَلُومُ السيد دودتورتو على معرفته الواسعة بـ "ظاهرنا" وبتاريخنا؛ فقد سَبَقَ للأستاذ النائب غسان تويني نفسِه أنْ قال أثناء تلك الزيارة إنّ اللبنانيين "في معظمهم اليومَ يتحدّثون بثلاثِ لغات: الإنكليزية في مجالِ الأعمال والعلوم... أما الفرنسية فلا تزال لغةَ الثقافة والأدب. تاريخيًّا، يحبّ اللبنانيون التحدُّثَ بلغتيْن..."(1)
أرأيتَ يا مسيو دوتورتو كم نحن حضاريّون! معظمُنا يتحدّث بثلاث لغات، ونحبّ التحدُّثَ بلغتيْن. لكنْ نسي مضيفُكَ أن يُخبرَكَ بأنَّنا نَعْرف أن نرحِّب بالسائح الكريم بخمس لغات... ونَشْتمه بمثلها أيضًا إذا كان "بخيلاً." ونسيَ أن يُخبرَكَ تفاصيلَ كثيرةً عن تاريخنا "الرائع والمتسامح،" وعن مآثر "شعبنا العظيم" (بلغة العماد عون ومن بعده الشيخ سعد الحريري) في المَسْلخ والكرنتينا وتلّ الزعتر ومزارعِ الشوف وبحمدون وصبرا وشاتيلا وطرابلس والشيّاح...
لكنّ الحضارةَ لا تعني فقط معرفتَنا (أو معرفةَ "معظمِنا"!) بثلاثِ لغات، وشغفَنا كُلِّنا بالتحدُّث بلغتيْن؛ ولا تعني فقط التصرُّفَ الراقي والملوَّنَ والرقمي والقبقابي والمكنسي... بل تعني أيضًا الشفافيةَ في الحصول على التمويل. وفي هذا الصدد يُخْبرنا الزميل حبيب يونس، رئيسُ تحرير نشرة الأخبار في إذاعة "صوت الغد" التابعة للتيار الوطني الحرّ، أنّ تمويلَ الإذاعة يَعْتمد "أسلوبَ الأحزاب الغربية [؟!] ويقدِّم للمواطنين بيانًا مفصَّلاً عن المداخيلِ والمصاريفِ على غرار الأحزاب الغربية المتحضِّرة."(2)
واضحٌ أنّ الزميل يونس على معرفةٍ كبيرةٍ بتمويل الأحزاب الغربية المتحضِّرة، ولاسيَّما ـ مثلاً ـ الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة! ويَعْرف تحديدًا كيف يَخْضعُ أعضاءُ الكونغرس لأجندة اللوبي الصهيوني المموِّل، بدلاً من أجندةِ ناخبيه(3). ويَعْرف، ربّما بصورةٍ أقوى، اتّهاماتِ الفسادِ شبهَ اليوميةِ التي تطاول الأحزابَ "المتحضِّرةَ" في الغرب.
المشكلة، يا سادة يا كرام، ليست فقط في أنّنا منبهرون بحضارةٍ وبـ "غربٍ" لا نَعْرفُ عنهما إلاّ "الظاهرَ" (بلغةِ دوتورتو) بل في أنّنا نسينا مَنْ كنّا (كنّا؟) قبلَ أيامٍ من "تحضُّرِنا." فالأخ حبيب كان قبل أسابيع أو شهور يَنْتمي إلى حرّاس الأرز (لا غيره!) الذي ينادي (أو كان ينادي) بأنّ على كلّ لبناني أن يَقْتل فلسطينيًّا! وحدَه العَبَثُ اللبناني (الحضاري طبعًا) هو الذي يفسِّر كيف أصبح حارسًا من حرّاس أرزنا الحضاري (ضدّ الفلسطينيين والسوريين والعرب طبعًا) رئيسَ تحرير أخبار في إذاعةٍ مهداةٍ من الوزير السابق سليمان فرنجية ــ أحدِ حُرّاس العلاقات السورية/اللبنانية المميّزة. وهذا الانتقالُ من حرسٍ إلى حرسٍ يتمّ دونما توضيحٍ أو اعتذار، إذ لا ضرورة لأيٍّ منهما: بل يَكْفي أن "نتحدّثَ" عن الحضارة، وأن نقفَ خلفَ منبرٍ عليه عنوانُ موقعنا الإلكتروني الجديد (فلا حضارةَ بدون إلكترون)، ووراءنا لوغو برتقاليٌّ يشير إلى أنّنا "صَحّ" ( )... يكفي ذلك لكي نَنْتقلَ من ضفّة الدعوةِ إلى القتلِ العلني العنصري، إلى ضفّةِ الدعوة إلى العلاقات المميّزة.
لعن اللَّه السياسة اللبنانية!
2 ــ صحوة الضمير. الرفيق وليد جنبلاط (وأنا أُصِرّ على استخدام كلمة "رفيق" احترامًا لنضالات الحركة الوطنية، وعلى رأسها الشهيد القائد كمال جنبلاط) أَدْخل تعبيرًا جديدًا إلى اللغة السياسية/الثقافية اللبنانية. ففي مقابلته مع مارسيل غانم (ألـ. بي. سي 3/3/2006) قال إنّه أعاد فتحَ ملفّ اغتيال والده بعدما أصيبَ "بصحوةِ ضميرٍ أَتَتْني متأخِّرةً." هذا، وقد حَدَّدَ جنبلاط توقيتَ هذه الصحوة، فقال إنّها "بدأتْ مع محاولةِ اغتيالِ مروان حمادة، وصولاً إلى اغتيال جبران تويني."(4)
الكلُّ يَسْأل لماذا صحا ضميرُ الرفيق وليد بعد 28 سنة على مقتل أبيه؟ لكنّني أجيب: المهمّ أنّه صحا. كلُّ ما نرجوه الآن أن يواصِلَ صحواتِ ضميره فيَكْشفَ ما قد يَعْرفه:
ــ عن ضلوعِ بعضِ محازبيه في اغتيالاتِ شخصياتٍ مدنيةٍ معروفة (منها الشهيد العلاّمة د. صبحي الصالح).
ــ وعن سبب اقتصار هذه الصحوة على التنديد بـ "النظام" السوري، دون أعمدةٍ أساسيةٍ من هذا النظام في لبنان وفي سوريا معًا (حكمت الشّهابي، وعبد الحليم خدّام، وغازي كنعان).
ــ وعن دور السلاح الفلسطيني (الذي يَشْتمه الرفيق وليد ويَصِفُه بأنّه "سلاحُ الغَدْر") في تحريرِ الجبل من "القوات اللبنانية" المعتدية.
ــ وعن سبب بقائه رئيسًا لحزبٍ تقدُّمي واشتراكي كلَّ هذه المدّة، مع أنّه يهاجم النظامَ السوريَّ لكونه "ديكتاتورًا وحفنةً من العائلة السياسية..."(5) ــ وهو وصفٌ يَنْطبق، بالمناسبة، على الرفيق وليد وعلى معظمِ حلفائه في 14 آذار لأنّهم أيضًا ورثةُ إقطاعٍ سياسي عائلي.
أو، إذ أراد، فليُعْفِ نفسَه من كلِّ صحوةِ ضمير، هو وغيره من أمراءِ الحرب. فهذه الصحوات شبيهةٌ جدًّا بـ "النقد الذاتي" الذي تحدّثنا عنه في عددٍ سابق. لا نريد صحواتِ ضميرِ أيٍّ منكم، أيُّها الأمراء الأشاوس. فقط اكشفوا ما تعرفونه عن مصير المخطوفين، وأعيدوا جزءًا من أموال الدولة (التي أنتم في صدد "بنائها" من جديد)، وأعيدوا قسمًا أكبرَ من المهجَّرين إلى بيوتهم. وبعدَها، إذا أردتم، اكتبوا مذكّراتِكم، أو اذهبوا إلى كرسيّ الاعتراف، أو... انتحروا إذا بدت الحقيقةُ شديدةَ الإيلام!
3 ــ القرارات والاتفاقات الدولية. وهذا تعبيرٌ يُغيظني جدًّا هو الآخر، لأنّه يَسْتهبل الناسَ ويَسْتَغْشِمُهم. فهل نسي الناسُ أنّ أميركا وإسرائيل تَضْربان عرضَ الحائط بكلّ القرارات الدوليّة؟ وهل يَعْلمون أنّ الولايات المتحدة فَرَضَتْ فيتوات على 32 قرارًا من قرارات مجلس الأمن ضدّ إسرائيل منذ عام 1982، وهو رقمٌ "يتجاوز مجموعَ كلِّ الفيتوات التي طَرَحها أعضاءُ مجلس الأمن الباقون مجتمعين"؟(6)
الأجدى من المناداة بالقرارات الدولية هو أن نُقيم َوِرشًا ونكتبَ كتبًا ومقالاتٍ عن كيفيةِ وقفِ هيمنةِ دولٍ محدّدةٍ على مجلس الأمن. فالأمم المتحدة ليست قوةً أخلاقيةً محايدةً كما يُفترض، وعلينا من ثمّ ـ كحقوقيين وناشطين ومثقفين ـ أن نبحثَ عن آلياتٍ لدقرطة مجلس الأمن الدولي بحيث يتمّ تمثيلُ الشعوب الضعيفة تمثيلاً يلائِمُ حجمَها الفعليَّ الهائل، فلا يبقى المجلسُ تحت وطأةِ الدولِ الغنيّة والمستكبِرة.
أما الاتفاقات أو "التفاهمات" الدولية، فمَنْ يصدِّقها بعد اقتحام سجن أريحا واختطاف المناضل أحمد السعدات ورفاقه مثلاً؟ للتذكير: اتفاقية أريحا كانت قد جاءت أثناء حصار إسرائيل للرئيس عرفات في مقرّه في رام اللَّه. وهي، كما يقول حلمي موسى، "ليست اتفاقًا مكتوبًا بل تفاهمٌ تحقَّقَ بواسطةٍ دوليةٍ أدّى الأميركيون فيها دورًا مركزيًّا،" وبموجبه تمّ التوصُّلُ إلى تسويةٍ تقضي بنقل "قَتَلة" الإرهابي الإسرائيلي رحبعام زئيفي (الذي قُتِلَ ردًّا على اغتيال القائد أبي علي مصطفى) من مقرّ أبي عمّار (الذي كان قد اعتقلهم ـ رحمةُ اللَّه عليه) إلى سجن أريحا، وببقائهم هناك تحت رقابة أميركية ــ بريطانية، مقابلَ تعهُّدِ إسرائيل بعدم اقتحام "مقاطعة" عرفات. لكنْ في 6 آذار (مارس) من هذا العام صادق الجيشُ الإسرائيلي على خطّته، المسمّاةِ "باكورة الموسم،" للقبض على قتلة زئيفي. وبعد يوميْن، ويا للمصادفة، بَعَثَ القنصلان البريطاني والأميركي في القدس الشرقية برسالةِ احتجاجٍ إلى السلطة الفلسطينية على "سوء" أدائها في السجن (مثل سماحِها للسجناء باستخدام الهواتف المحمولة!)، وهَدَّدا بسحبِ المراقبين البريطانيين والأميركان. وبعد خمسِ دقائق من انسحاب هؤلاء، حاصرتْ إسرائيلُ المقاطعة!(7)
إذن، بريطانيا خانت وعدَها و"تفاهمَها" مع الفلسطينيين حين غادرتْ سجنَ أريحا حيث يَقْبع المناضلون الفلسطينيون ــ وهذا باعتراف جوناثان كووك (البريطاني)(8) الذي يذكّرنا بما سبق أنْ فعلتْه بريطانيا عامَ 48 حين غادرتْ فلسطينَ بسرعةٍ... ولكنْ بعد أن نَفَّذتْ وعدَ بلفور بالسماحِ لمئاتِ آلافِ اليهود بالهجرة إليها!
... وإذن، أميركا أيضًا، ومن جديد، خانت وعدَها و"تفاهمَها" مع الفلسطينيين (ومع السعوديين أيضًا). ولنتذكَّرْ في هذا الصدد ما أَوْرده تشومسكي قبل أكثر من عقديْن حين حَمَّل الولاياتِ المتحدةَ مسؤوليةً مباشرةً عن مجازر صبرا وشاتيلا (أيلول/سبتمبر 1982): فقد انسحبتْ من محيط المخيَّميْن قبل أسبوعين من انتهاء فترة تفويضها الأصلية، أيْ قبل أن توفِّرَ الحمايةَ للسكّان المدنيين (كما كانت تقضي اتفاقيةُ فيليپ حبيب والتعهّداتُ الأميركيةُ للّبنانيين والفلسطينيين)، وهذا ما دَفَعَ بالقوات الإيطالية والفرنسية إلى الانسحاب بدورها، فوقعت المجزرةُ... التي كانت أميركا، أيضًا وأيضًا، قد أعطتْ ضوءًا أخضرَ بتنفيذها حين بَرَّر المتحدِّثُ باسمِ البيت الأبيض دخولَ القوات الإسرائيلية بيروتَ الغربيةَ بأنه "محدَّد ووقائيّ"!(9)
... وإذن، الأممُ المتحدةُ خانت، هي أيضًا، اتفاقيةَ أريحا. فقد عَمَد كوفي عنان، بعد 12 ساعةً كاملةً من عملية خطف أحمد السعدات والمناضلين الآخرين، إلى الاتصال بأولمرت "واطمأنَّ" إلى أنّ العمليةَ الإسرائيليةَ انتهت "من دون أن تقودَ إلى تصعيدٍ في المنطقة"... وكأنّ خطفَ نائبٍ منتخَبٍ، وإهانةَ مناضلين باستعراضهم عراةً إلاّ من ملابسهم الداخلية، وخيانةَ اتفاقاتٍ، ومحاكمةَ مناضلين انتقموا لرمزٍ من رموزِ ثورتهم (أبو علي مصطفى)، كأنّ كلَّ ذلك أمرٌ هيّنٌ!
لا يُمْكن الركونُ إلى تفاهماتٍ مع أعداء الإنسانية، يا إخوان. وحتى القراراتُ الدوليةُ التي تؤيِّد قضايانا، فإنّها مهمّةٌ لأنّها أساسًا تستندُ إلى حقّنا (في العودة، والمقاومة،...) وليست مهمةً في حدّ ذاتها. نحن الأساس، حقُّنا هو الأساس، لا ما قد يوافق أو لا يوافق عليه "أسيادُ العالم الجدد" وتابعوهم القُدامى والجدد وهيئاتُهم.
سماح إدريس
بيروت
1 ـ الحضاري. يا لطيف كم تتردّد هذه الكلمة على ألسنة السياسيين اللبنانيين! المصيبة أنّ أكثر مَنْ يردِّدونها هم أمراءُ حربٍ سابقون، انتقلوا بسرعةٍ (غيرِ) قياسية من "البربرية" إلى الحضارة.
وكلمة "الحضاري" تأتي في الخطاب السياسي اللبناني، تحديدًا، نقيضًا لمفرداتٍ كثيرةٍ أخرى مثل: "الهمجي،" "الغوغائي،" "الإرهابي،" "الفوضوي"... وشاعت تلك اللفظةُ (أي "الحضاري") على لسان جورج عدوان، ووليد جنبلاط، وفارس سعيْد، بشكل خاصّ، وإنْ لم يَسْلَمْ منها بعضُ أطراف 8 آذار الذين يحاولون أحيانًا أن يُوحوا بأنّهم لا يقلّون "حضارةً" عن 14 آذار... حتى لو كانوا "مسلمين"! وبين 8 آذار و14 آذار، هناك التيارُ الأكثرُ تعبيرًا عن "الحضارة،" عنيتُ التيارَ العوني.
التصرُّف الحضاري عند جماعة 14 آذار، تخصيصًا، له مظاهرُ متعدِّدة: تظاهرات "منضبطة"، ملوَّنة، رقميّة، تَسْتخدم الخِبْراتِ "الساتشيّةَ والساتشيّة،" واللغةَ الاختزالية (بتأثيرٍ واضحٍ من كتابة الرسائل الخلوية والإلكترونية). ويَعْتمد التصرُّفُ الحضاريُّ في التعبير عن الآراء على الرسوم، والتجهيزات الفنية تحديدًا... حتى لو كانت الرسالةُ عنصريةً، من قبيل "سورية اطلعي برّة" (وباستخدامِ المكانِسِ والقباقيب الحضارية طبعًا) و"فاجأناكُم موووو"؟
أمّا حين يَحْدث خَلَلٌ أو شغبٌ ما في التصرّف الحضاري، فإنّ الأصابعَ تتّجه فورًا إلى "الغرباء،" "المندسّين،" "الفلسطينيين" (وخاصةً جبريل وحماس)، و"السوريين"... حتى حين يكون هؤلاء المندسّون من جملةِ فئاتٍ مغبونةٍ جاءت بها المجموعاتُ الحضاريةُ نفسُها لزيادة أعدادها، على نحوِ ما حَدَثَ في تظاهرةِ الأشرفية حين أحرقَ "المندسّون" القنصليةَ الدانمركية. فالحضاريون، طبعًا، لا يُمْكن إلاّ أن يكونوا منضبطين، وسلميين، لأنّهم ـ ببساطة ـ حضاريون (عرفتوا كِيفْ؟). أليس زعماؤهم أنفسُهم (أو بعضهم) هم الذين خاضوا المعاركَ الحضاريةَ طوال 17 سنة، فَهَدَموا البلدَ، قبل أن يأتي حضاريون آخرون ليعيدوا بناءه "حضاريًّا" أيضًا وبإعطاءِ أصحابِ الحقوق حقوقَهم "كاملةً"... مع حبّةِ مِسْك؟ أمّا المشاغبون فَهُم الغرباء عن طبيعة أهل البلد؛ إنّهم "الآخرون" الذين يشنّون حروبَهم على أرضنا ـ بحسب اللغة التويْنيّة المعروفة.
وعلى سيرة عميد جريدة النهار، فقد لَفَتَتْني ملاحظةُ موكار دوتورتو، وهو المديرُ العامّ لمجموعةِ صحفٍ مناطقيةٍ فرنسية، وكان قد زار مبنى الجريدة مع وفدِ أصحابِ صحفٍ مماثلة. قال لـ النهار: "لبنان متمدّنٌ في ظاهره، وتاريخُه رائعٌ ومتسامحٌ يستوعب الجميعَ." لا نَلُومُ السيد دودتورتو على معرفته الواسعة بـ "ظاهرنا" وبتاريخنا؛ فقد سَبَقَ للأستاذ النائب غسان تويني نفسِه أنْ قال أثناء تلك الزيارة إنّ اللبنانيين "في معظمهم اليومَ يتحدّثون بثلاثِ لغات: الإنكليزية في مجالِ الأعمال والعلوم... أما الفرنسية فلا تزال لغةَ الثقافة والأدب. تاريخيًّا، يحبّ اللبنانيون التحدُّثَ بلغتيْن..."(1)
أرأيتَ يا مسيو دوتورتو كم نحن حضاريّون! معظمُنا يتحدّث بثلاث لغات، ونحبّ التحدُّثَ بلغتيْن. لكنْ نسي مضيفُكَ أن يُخبرَكَ بأنَّنا نَعْرف أن نرحِّب بالسائح الكريم بخمس لغات... ونَشْتمه بمثلها أيضًا إذا كان "بخيلاً." ونسيَ أن يُخبرَكَ تفاصيلَ كثيرةً عن تاريخنا "الرائع والمتسامح،" وعن مآثر "شعبنا العظيم" (بلغة العماد عون ومن بعده الشيخ سعد الحريري) في المَسْلخ والكرنتينا وتلّ الزعتر ومزارعِ الشوف وبحمدون وصبرا وشاتيلا وطرابلس والشيّاح...
لكنّ الحضارةَ لا تعني فقط معرفتَنا (أو معرفةَ "معظمِنا"!) بثلاثِ لغات، وشغفَنا كُلِّنا بالتحدُّث بلغتيْن؛ ولا تعني فقط التصرُّفَ الراقي والملوَّنَ والرقمي والقبقابي والمكنسي... بل تعني أيضًا الشفافيةَ في الحصول على التمويل. وفي هذا الصدد يُخْبرنا الزميل حبيب يونس، رئيسُ تحرير نشرة الأخبار في إذاعة "صوت الغد" التابعة للتيار الوطني الحرّ، أنّ تمويلَ الإذاعة يَعْتمد "أسلوبَ الأحزاب الغربية [؟!] ويقدِّم للمواطنين بيانًا مفصَّلاً عن المداخيلِ والمصاريفِ على غرار الأحزاب الغربية المتحضِّرة."(2)
واضحٌ أنّ الزميل يونس على معرفةٍ كبيرةٍ بتمويل الأحزاب الغربية المتحضِّرة، ولاسيَّما ـ مثلاً ـ الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة! ويَعْرف تحديدًا كيف يَخْضعُ أعضاءُ الكونغرس لأجندة اللوبي الصهيوني المموِّل، بدلاً من أجندةِ ناخبيه(3). ويَعْرف، ربّما بصورةٍ أقوى، اتّهاماتِ الفسادِ شبهَ اليوميةِ التي تطاول الأحزابَ "المتحضِّرةَ" في الغرب.
المشكلة، يا سادة يا كرام، ليست فقط في أنّنا منبهرون بحضارةٍ وبـ "غربٍ" لا نَعْرفُ عنهما إلاّ "الظاهرَ" (بلغةِ دوتورتو) بل في أنّنا نسينا مَنْ كنّا (كنّا؟) قبلَ أيامٍ من "تحضُّرِنا." فالأخ حبيب كان قبل أسابيع أو شهور يَنْتمي إلى حرّاس الأرز (لا غيره!) الذي ينادي (أو كان ينادي) بأنّ على كلّ لبناني أن يَقْتل فلسطينيًّا! وحدَه العَبَثُ اللبناني (الحضاري طبعًا) هو الذي يفسِّر كيف أصبح حارسًا من حرّاس أرزنا الحضاري (ضدّ الفلسطينيين والسوريين والعرب طبعًا) رئيسَ تحرير أخبار في إذاعةٍ مهداةٍ من الوزير السابق سليمان فرنجية ــ أحدِ حُرّاس العلاقات السورية/اللبنانية المميّزة. وهذا الانتقالُ من حرسٍ إلى حرسٍ يتمّ دونما توضيحٍ أو اعتذار، إذ لا ضرورة لأيٍّ منهما: بل يَكْفي أن "نتحدّثَ" عن الحضارة، وأن نقفَ خلفَ منبرٍ عليه عنوانُ موقعنا الإلكتروني الجديد (فلا حضارةَ بدون إلكترون)، ووراءنا لوغو برتقاليٌّ يشير إلى أنّنا "صَحّ" ( )... يكفي ذلك لكي نَنْتقلَ من ضفّة الدعوةِ إلى القتلِ العلني العنصري، إلى ضفّةِ الدعوة إلى العلاقات المميّزة.
لعن اللَّه السياسة اللبنانية!
2 ــ صحوة الضمير. الرفيق وليد جنبلاط (وأنا أُصِرّ على استخدام كلمة "رفيق" احترامًا لنضالات الحركة الوطنية، وعلى رأسها الشهيد القائد كمال جنبلاط) أَدْخل تعبيرًا جديدًا إلى اللغة السياسية/الثقافية اللبنانية. ففي مقابلته مع مارسيل غانم (ألـ. بي. سي 3/3/2006) قال إنّه أعاد فتحَ ملفّ اغتيال والده بعدما أصيبَ "بصحوةِ ضميرٍ أَتَتْني متأخِّرةً." هذا، وقد حَدَّدَ جنبلاط توقيتَ هذه الصحوة، فقال إنّها "بدأتْ مع محاولةِ اغتيالِ مروان حمادة، وصولاً إلى اغتيال جبران تويني."(4)
الكلُّ يَسْأل لماذا صحا ضميرُ الرفيق وليد بعد 28 سنة على مقتل أبيه؟ لكنّني أجيب: المهمّ أنّه صحا. كلُّ ما نرجوه الآن أن يواصِلَ صحواتِ ضميره فيَكْشفَ ما قد يَعْرفه:
ــ عن ضلوعِ بعضِ محازبيه في اغتيالاتِ شخصياتٍ مدنيةٍ معروفة (منها الشهيد العلاّمة د. صبحي الصالح).
ــ وعن سبب اقتصار هذه الصحوة على التنديد بـ "النظام" السوري، دون أعمدةٍ أساسيةٍ من هذا النظام في لبنان وفي سوريا معًا (حكمت الشّهابي، وعبد الحليم خدّام، وغازي كنعان).
ــ وعن دور السلاح الفلسطيني (الذي يَشْتمه الرفيق وليد ويَصِفُه بأنّه "سلاحُ الغَدْر") في تحريرِ الجبل من "القوات اللبنانية" المعتدية.
ــ وعن سبب بقائه رئيسًا لحزبٍ تقدُّمي واشتراكي كلَّ هذه المدّة، مع أنّه يهاجم النظامَ السوريَّ لكونه "ديكتاتورًا وحفنةً من العائلة السياسية..."(5) ــ وهو وصفٌ يَنْطبق، بالمناسبة، على الرفيق وليد وعلى معظمِ حلفائه في 14 آذار لأنّهم أيضًا ورثةُ إقطاعٍ سياسي عائلي.
أو، إذ أراد، فليُعْفِ نفسَه من كلِّ صحوةِ ضمير، هو وغيره من أمراءِ الحرب. فهذه الصحوات شبيهةٌ جدًّا بـ "النقد الذاتي" الذي تحدّثنا عنه في عددٍ سابق. لا نريد صحواتِ ضميرِ أيٍّ منكم، أيُّها الأمراء الأشاوس. فقط اكشفوا ما تعرفونه عن مصير المخطوفين، وأعيدوا جزءًا من أموال الدولة (التي أنتم في صدد "بنائها" من جديد)، وأعيدوا قسمًا أكبرَ من المهجَّرين إلى بيوتهم. وبعدَها، إذا أردتم، اكتبوا مذكّراتِكم، أو اذهبوا إلى كرسيّ الاعتراف، أو... انتحروا إذا بدت الحقيقةُ شديدةَ الإيلام!
3 ــ القرارات والاتفاقات الدولية. وهذا تعبيرٌ يُغيظني جدًّا هو الآخر، لأنّه يَسْتهبل الناسَ ويَسْتَغْشِمُهم. فهل نسي الناسُ أنّ أميركا وإسرائيل تَضْربان عرضَ الحائط بكلّ القرارات الدوليّة؟ وهل يَعْلمون أنّ الولايات المتحدة فَرَضَتْ فيتوات على 32 قرارًا من قرارات مجلس الأمن ضدّ إسرائيل منذ عام 1982، وهو رقمٌ "يتجاوز مجموعَ كلِّ الفيتوات التي طَرَحها أعضاءُ مجلس الأمن الباقون مجتمعين"؟(6)
الأجدى من المناداة بالقرارات الدولية هو أن نُقيم َوِرشًا ونكتبَ كتبًا ومقالاتٍ عن كيفيةِ وقفِ هيمنةِ دولٍ محدّدةٍ على مجلس الأمن. فالأمم المتحدة ليست قوةً أخلاقيةً محايدةً كما يُفترض، وعلينا من ثمّ ـ كحقوقيين وناشطين ومثقفين ـ أن نبحثَ عن آلياتٍ لدقرطة مجلس الأمن الدولي بحيث يتمّ تمثيلُ الشعوب الضعيفة تمثيلاً يلائِمُ حجمَها الفعليَّ الهائل، فلا يبقى المجلسُ تحت وطأةِ الدولِ الغنيّة والمستكبِرة.
أما الاتفاقات أو "التفاهمات" الدولية، فمَنْ يصدِّقها بعد اقتحام سجن أريحا واختطاف المناضل أحمد السعدات ورفاقه مثلاً؟ للتذكير: اتفاقية أريحا كانت قد جاءت أثناء حصار إسرائيل للرئيس عرفات في مقرّه في رام اللَّه. وهي، كما يقول حلمي موسى، "ليست اتفاقًا مكتوبًا بل تفاهمٌ تحقَّقَ بواسطةٍ دوليةٍ أدّى الأميركيون فيها دورًا مركزيًّا،" وبموجبه تمّ التوصُّلُ إلى تسويةٍ تقضي بنقل "قَتَلة" الإرهابي الإسرائيلي رحبعام زئيفي (الذي قُتِلَ ردًّا على اغتيال القائد أبي علي مصطفى) من مقرّ أبي عمّار (الذي كان قد اعتقلهم ـ رحمةُ اللَّه عليه) إلى سجن أريحا، وببقائهم هناك تحت رقابة أميركية ــ بريطانية، مقابلَ تعهُّدِ إسرائيل بعدم اقتحام "مقاطعة" عرفات. لكنْ في 6 آذار (مارس) من هذا العام صادق الجيشُ الإسرائيلي على خطّته، المسمّاةِ "باكورة الموسم،" للقبض على قتلة زئيفي. وبعد يوميْن، ويا للمصادفة، بَعَثَ القنصلان البريطاني والأميركي في القدس الشرقية برسالةِ احتجاجٍ إلى السلطة الفلسطينية على "سوء" أدائها في السجن (مثل سماحِها للسجناء باستخدام الهواتف المحمولة!)، وهَدَّدا بسحبِ المراقبين البريطانيين والأميركان. وبعد خمسِ دقائق من انسحاب هؤلاء، حاصرتْ إسرائيلُ المقاطعة!(7)
إذن، بريطانيا خانت وعدَها و"تفاهمَها" مع الفلسطينيين حين غادرتْ سجنَ أريحا حيث يَقْبع المناضلون الفلسطينيون ــ وهذا باعتراف جوناثان كووك (البريطاني)(8) الذي يذكّرنا بما سبق أنْ فعلتْه بريطانيا عامَ 48 حين غادرتْ فلسطينَ بسرعةٍ... ولكنْ بعد أن نَفَّذتْ وعدَ بلفور بالسماحِ لمئاتِ آلافِ اليهود بالهجرة إليها!
... وإذن، أميركا أيضًا، ومن جديد، خانت وعدَها و"تفاهمَها" مع الفلسطينيين (ومع السعوديين أيضًا). ولنتذكَّرْ في هذا الصدد ما أَوْرده تشومسكي قبل أكثر من عقديْن حين حَمَّل الولاياتِ المتحدةَ مسؤوليةً مباشرةً عن مجازر صبرا وشاتيلا (أيلول/سبتمبر 1982): فقد انسحبتْ من محيط المخيَّميْن قبل أسبوعين من انتهاء فترة تفويضها الأصلية، أيْ قبل أن توفِّرَ الحمايةَ للسكّان المدنيين (كما كانت تقضي اتفاقيةُ فيليپ حبيب والتعهّداتُ الأميركيةُ للّبنانيين والفلسطينيين)، وهذا ما دَفَعَ بالقوات الإيطالية والفرنسية إلى الانسحاب بدورها، فوقعت المجزرةُ... التي كانت أميركا، أيضًا وأيضًا، قد أعطتْ ضوءًا أخضرَ بتنفيذها حين بَرَّر المتحدِّثُ باسمِ البيت الأبيض دخولَ القوات الإسرائيلية بيروتَ الغربيةَ بأنه "محدَّد ووقائيّ"!(9)
... وإذن، الأممُ المتحدةُ خانت، هي أيضًا، اتفاقيةَ أريحا. فقد عَمَد كوفي عنان، بعد 12 ساعةً كاملةً من عملية خطف أحمد السعدات والمناضلين الآخرين، إلى الاتصال بأولمرت "واطمأنَّ" إلى أنّ العمليةَ الإسرائيليةَ انتهت "من دون أن تقودَ إلى تصعيدٍ في المنطقة"... وكأنّ خطفَ نائبٍ منتخَبٍ، وإهانةَ مناضلين باستعراضهم عراةً إلاّ من ملابسهم الداخلية، وخيانةَ اتفاقاتٍ، ومحاكمةَ مناضلين انتقموا لرمزٍ من رموزِ ثورتهم (أبو علي مصطفى)، كأنّ كلَّ ذلك أمرٌ هيّنٌ!
لا يُمْكن الركونُ إلى تفاهماتٍ مع أعداء الإنسانية، يا إخوان. وحتى القراراتُ الدوليةُ التي تؤيِّد قضايانا، فإنّها مهمّةٌ لأنّها أساسًا تستندُ إلى حقّنا (في العودة، والمقاومة،...) وليست مهمةً في حدّ ذاتها. نحن الأساس، حقُّنا هو الأساس، لا ما قد يوافق أو لا يوافق عليه "أسيادُ العالم الجدد" وتابعوهم القُدامى والجدد وهيئاتُهم.
(1) النهار 1/4/2006
(2) السفير 3/4/2006
(3) John Mersheimer & Stephan Walt, LTB 23/2/2006
(4) السفير 31/3/2006
(5) السفير 20/3/2006
(6) Mersheimer & Welt, opcit
(7) السفير 16/3/2006
(8) Jonathan Cook, Counterpunch
(9) الآداب 7/8، 1998، ص 30 ـ 31.
(2) السفير 3/4/2006
(3) John Mersheimer & Stephan Walt, LTB 23/2/2006
(4) السفير 31/3/2006
(5) السفير 20/3/2006
(6) Mersheimer & Welt, opcit
(7) السفير 16/3/2006
(8) Jonathan Cook, Counterpunch
(9) الآداب 7/8، 1998، ص 30 ـ 31.
سماح إدريس
بيروت