Thursday, April 28, 2005

4 معتقلين في مراكز المخابرات السورية يروون معاناتهم: 'استعملوا معنا 'البلانكو' و'الدولاب' و'الفرّوج' وأطعمونا البرغل مع الدود'

كسروا حاجز الخوف وتكلموا. تخطوا المحرمات. تغلبوا على المعاناة ورووها بصدق وتأثر. غالبا ما كانت الدموع توقف الحديث، والغصة تقطع الكلام، فتصل الرسالة تلقائية ممزوجة بحرقة كبيرة ووجع لا يوصف. هم من عانوا ظلم التوقيف وذل الاعتقال في مراكز المخابرات السورية في لبنان، يعطون شهاداتهم للتاريخ.

للوهلة الاولى لا تصدق عندما تجلس مع بعض من اوقف في تلك المراكز ان تكون "فعلتهم" الوحيدة توزيع منشور يدعو الى "التحرر من الوصاية السورية"، او تعليق لافتة كتب عليها "التحرير آتٍ". فعندما تسمع عذاباتهم، تظن انهم من هدّد السلم الاهلي او ارتكب اعمالا أخلّت بالامن القومي، فيما كان نشاطهم عفويا ينطلق دائما بمبادرة فردية بغية ايقاظ "الحس النضالي" لدى اللبنانيين خوفا من الاستسلام او قبول التبعية التي فرضت منذ اوائل التسعينات.

الصقوا بهم تهمة العمالة لإسرائيل ورمي المتفجرات على المراكز السورية، ثم عادوا واعتذروا منهم قبل الافراج عنهم بعدما عانوا الامرّين. بعضهم كان من انصار العمادميشال عون (لم يكن انطلق في حينه بعد "التيار الوطني الحر")، او من الذين وقفوا في وجه السوري ورفضوا الاستزلام والرضوخ، فكان نصيبهم الضرب والتعذيب والاذلال.

الاشخاص الاربعة الذين التقتهم "النهار" ليسوا الا "نماذج"، فثمة اشخاص آخرون عانوا ربما اكثر وتحملوا المزيد، وبعضهم من هاجر وترك البلاد فاقدا الامل بالمستقبل.

من هنا، فان معاناة هؤلاء تنسحب على كثيرين وفي "مراكز" اخرى من الشمال الى بيروت وصولا الى البقاع وعنجر.

واذا كان هذا الملف من المحرمات التي كثرت في الاعوام الماضية بفعل "الاحتلال والوصاية"، فان الانسحاب السوري فتح صفحة جديدة وكشف صفحات قديمة تبدو في نظر من عانى، مليئة بالآلام والعذاب. لذا، فان ابلغ عبارة تسمعها من هؤلاء: "يوم 25 نيسان، كان مختلفا بالنسبة الينا. شعور لم يعشه آخرون. انتصار. فرح عظيم. شعرنا ان معاناتنا لم تذهب سدى، ولكن علينا ايضا تذكّر من لا يزال معتقلا في سوريا ولم يعد الى ارضه واهله، لتكتمل فرحة التحرير".لعل ما يستوقفك عند هؤلاء، اجماعهم ان "النظام السوري يكرهنا. ثمة اجرام وارهاب. معاملتهم كانت اكثر من قاسية".

اما اذا حاولت معرفة ماذا استخلصوا من تلك التجربة، فتحصل على عبارة مماثلة من الجميع: "حقد غير طبيعي على السوريين".

والغريب ان مسؤولي ما بعد الطائف كانوا دائما يشيدون بـ"العلاقات المميزة مع الشقيقة" وبـ"وحدة المسارين" و"النموذج اللبناني السوري"، أبهذه الشهادات أرسوا العلاقات المميزة؟ اليوم بدأت تظهر نتائج تلك "العلاقات" بعد 15 عاما او ربما 30. الجلسة معهم، أقل ما يقال عنها انها صعبة، مرة لا بل موجعة. احيانا، تشعر انك لن تستطيع الاكمال او طرح مزيد من الاسئلة، فدموع الشباب تحرجك ويسود الصمت تقطعه تنهدات وحسرات.

شهادات هؤلاء تصف واقعهم وهم حرصوا على تقديمها تحية الى من شاركهم العذاب في مراكز اخرى، والى من لا يزال معتقلا في السجون السورية.

"رحلة المير"

ايلي بيطار. بدأ من التطوع الى جانب عون، ثم وزع المناشير فاعتقل خمس مرات في المراكز اللبنانية ومرة في "البوريفاج". رفاقه يلقبونه بـ"المير" بسبب نضاله الطويل.

بعيد 13 تشرين الاول 1990، كان يلصق صور عون في الشوارع ويعلق اللافتات "السيادية". كان يعتبر ان المنشور في حينه يوازي القرار 1559.

يقول: "استمررنا في النضال رغم كل العوائق، ولكن الصدمة كانت كبيرة حين استشهد النقيب عماد عبود والعسكري فيليب ونّيس واصيبت اميمة طراف بجروح بالغة نتيجة الانفجار في احد المراكز العسكرية اللبنانية، واعتقل ايضا جان بيار دكاش. بعد هذا الحادث، بدأت التوقيفات شبه اليومية في وزارة الدفاع، حتى اواخر تشرين الاول 1993 حين احتجزت في "البوريفاج".

الرابعة صباحا، اقتحموا المنزل. هربت الى الشرفة فرأيت تعزيزات ضخمة في الشارع، كما لو انهم يريدون اعتقال ميلوسوفيتش، ولكن جميع الرجال كانوا مدنيين. وبسبب الضرب القوي فتحت امي الباب بعدما قالوا لها انهم من "المكافحة" وكانوا يتكلمون اللهجة اللبنانية. من وراء النافذة، شاهدت العقيد رياض فأدركت انهم سوريون. عندها هربت لعند الجيران فيما هم يفتشون المنزل، وتحت الضغط والكذب علموا من الوالدة انني عند الجيران فتوجهوا فورا واعتقلوني، قائلين: "نريدك خمس دقائق فقط". اخذوني اولا الى مركز المخابرات في الحدت، وعلى الطريق رأيت رفيقي عثمان شيهون في سيارة اخرى فعلمت ان القصة لا تقتصر عليّ قط، بل تشمل المجموعة الناشطة في الحدت. اغمضوا عيني وابلغوني اننا سننزل الى "البوريفاج" وبدأت رحلة العذاب".

الى هناك، لحقت به امه واخته، فقال لهما الضابط: "ارحلا، مش رح تشوفوا ايلي".

اُنزِل "المير" الى غرفة تحت الارض، شاهدها بتأثر بعد 12 عاماً على التلفزيون، عندما تفقّد موفد الامين العام للامم المتحدة الى لبنان تيري رود لارسن المركز، ولكن ايلي ادرك فوراً ان ثمة اختلافاً في الغرفة. لم يرَ ابواب الحديد، يعلّق: "غيّروا المعالم لئلا يدرك الجميع فداحة المعاناة والذل".

الدقائق الخمس اصبحت عشرة ايام، لكنها تقدّر بدهر لشدّة العذاب والقهر: "كنت تحت الارض في هنغار (متر ونصف المتر بنصف متر) مقسّم بالحديد مع باب حديد وطاقة صغيرة وعالية. كان ثمة مغسلة لكنها فارغة من المياه. كانت فقط للتمويه ومجرّد منظر، وإلى جانبها كومة من الاغطية الصوف، اتذكر حتى الآن رائحتها، انها اكثر من نَتِنة. لحظات لا بل ثوان وتبدأ الشتائم من كل الانواع: "هلق بتشوفوا شو بدنا نعمل". وتوالت التحقيقات. كل نصف ساعة تحقيق، وفي كل تحقيق الاساليب نفسها".

بداية، ارغموه على الركض على الدرج، منعوه من التوقف، فالكرباج حاضر دائماً. "كنت اركض اكثر من 11 طابقاً حتى اصل الى غرفة التحقيق، والعينان مغمضتان بـChambre-à-air (الاطار الداخلي للسيارة، وهو يحرق العيون ويسبّب الحكاك). اما في الزنزانة، فكانت اليدان تُربطان بشريط حديد كهربائي".

ترهيب نفسي الى اقصى الحدود. وتبدأ التحقيقات من العلاقة باسرائيل و"الموساد" الى رمي المنشور. يروي: "اتهموني باطلاق النار على مراكز المخابرات السورية. كانوا يردّدون دائماً: "في شغلي ممنوع المس فيها: المفاوضات الخارجية والأمن السوري". لم اعرف ما العلاقة بين ذلك ورمي منشور او تعليق لافتة. حمّلوني اكثر مما كنت افعل. وعندما كنت اجيبهم: لا اعرف. لا علم لي بهذه المسائل، كنت انال نصيبي من الضرب. ضرب مش طبيعي. احياناً كنت أقف اكثر من ثلث ساعة والضرب ينهال عليّ في شكل متواصل. لا استطيع وصف الشتائم التي لا توفّر اهلنا ووطننا. كانوا يكرّرون: انت لست في وزارة الدفاع. انت عند المخابرات السورية".

واذا كانت الشتائم لا تُحصر او تُذكر، فان وسائل التعذيب لا تُعدّ ايضاً: هناك الفروج: (تجلس على شكل فروج وتُضرب). والكرسي: (كرسي مقطّع على شكل هزّاز، يجلس الشخص داخلها، فيدفعونه تارة من فوق وطوراً من تحت وهو متقوقع داخلها). والمروحة: (مروحة كفوف: يجلس الشخص في غرفة، معصوب العينين والجميع يضربونه من كل الجهات، اي يتعرّض للضرب المتواصل من مجموعة من الاشخاص وفي الوقت نفسه). والدولاب: (يجلس في قلب دولاب)، اضافة الى "البلانكو" واطفاء السيجارة في اليدين.

جرّب ايلي هذه الوسائل كلّها: "كنت اشعر ان النظام السوري يكرهنا، يكره اللبناني. كانوا يقولون لي "ليش ما بدك تعيش معنا. انت بشو احسن منّا؟ متلي متلك. بدّي عيش معك. بس هو كان قصدوا بدّي احكمك".

يصف "المير" جيداً الطعام الذي كان يقدّم مرة واحدة في اليوم، وهو عبارة عن رز مع خيار واذا لم يأكله، "يأكل" حتما الضرب.

وكان يُسمح بدخول الحمام مرة واحدة ايضاً، فيما الشتائم ترافقه.

لا ينسى بيطار انه في احدى المرات خلال التحقيق، قالوا له: "اذا كنت تعتقد اننا نحقّق معك مثل وزارة الدفاع، فأنت مخطىء. الوضع هنا اكبر بكثير. بدّك تنسى يلّلي تعلمتو بالجامعة اللبنانية. بدك تطلع من دون شي".

في اليوم العاشر، اي الاخير، يقول: "طلبني ضابط الى غرفة صعدت اليها بالمصعد للمرة الاولى. واستهل حديثه: لماذا فعلت هكذا؟ يلّلا رح تروح عالبيت. فأجبته: اريد ان اعرف لماذا احتجزتنا. فقال: انسى الموضوع وعيش حياتك. اجمع الشباب (مَن كان محتجزاً في البوريفاج) بدّي قول كلمة. وبعد دقائق، تحدث امام الجميع منوّهاً بالعروبة والقومية".

هكذا لم يعرف ايلي لماذا دخل ولا كيف خرج، لكنه يتذكر جيداً انه بعد خروجه لم يجرؤ على الذهاب الى المستشفى فاكتفى بالصيدلي رغم انه بقي فترة لا يستطيع تحريك يديه لكثرة الضرب والربط بشريط حديد.

في نظره، "هذه المعاناة لا تُقارن بتضحيات الشهداء. أخي شهيد في "القوات اللبنانية" وادرك معنى ذلك. كل ما عانيته لا يساوي شيئاً امام تضحيات هؤلاء او عذابات المعوقين والمعتقلين في سوريا. أثناء الاعتقال، كل همّي كان ان اطمئن اهلي عليّ، عندها استطيع تحمّل كل شيء".

ايلي حَفَر ببحصة صغيرة على جدران الزنزانة، عبارة "ايلي بيطار مرّ من هنا"، ويوضح "كنت خائفاً الا اخرج".

حتى الآن، لم ينزل الى "البوريفاج"، لكن امنيته ان يعقد مؤتمراً صحافياً هناك مع رفاقه الذين كانوا معه، ويصر على ذكر اسمائهم وهم: عثمان شيهون وجوزف قبلان وبول كلاّب وجوني ميلان.

قبل ان يختم، يكرّر بتأثر "لن أنسى هذه الجملة: "بدّي نسّيك يلّلي تعلمتو بالجامعة اللبنانية". اليوم، انا اكره النظام السوري واريد ان اقول له انني حصّلت دكتوراه في القانون وإجازة في اللاهوت. هذا هو اللبناني".

"بدّي موّتك"

... ولبناني آخر ذاق الذل والمرارة. ليل 29 تشرين الاول 1993، اعتقل بول كلاّب على حاجز سوري. اوقفوه بعدما أبرز عسكريون ورقة كانت تتضمن لائحة بأسماء اخرى. فأنزل من سيارته وعلّق على عمود كهرباء وضُرب بالعصا. وبعدما رآه احد الجيران اخبر اهله. وما هي الا لحظات حتى جاء والده للاستطلاع.

يروي كلاّب: "جاء ابي بلباس النوم. كان الفجر بدأ بالبزوغ. فطلب الضابط منه ان يأخذ سيارتي قائلا: خذها نريد بول دقيقة وبعدما اخذوا كل ما في السيارة وخارجها، أرغموا والدي على الرحيل. بعد نحو ساعتين امضيتهما معلّقاً على العمود، رموني في سيارة مغمض العينين واتجهوا نحو مركز المخابرات في الحدت. هناك ضربوني بالعصا والكرابيج والجنازير. لم اعرف السبب. شعرت كم يكرهوننا. لم اعد استطيع الوقوف، فجرجروني نحو السيارة مجدداً وعصبوا عينيّ بالـChambre à-air ولم أدرِ الى اين انا ذاهب. لاحقاً وخلال التحقيق، ادركت أني اصبحت في "البوريفاج". فور الوصول صعدت اكثر من 15 طابقاً، وكانوا يدّعون ان ثمة درجا، فأقع على وجهي ارضاً".

وبدأ التحقيق. اتهموه انه عميل اسرائيلي ويرمي متفجرات على مراكز سورية، فيما هو من انصار عون ناشط ضمن مجموعة، يكتفي برمي المنشور وعقد اجتماعات سرية في المنازل "لاستكمال مسيرة التحرير والنضال".

يوضح: "التحقيق كان يجري دائماً على الواقف. لا اشعر الا بضرب على وجهي وظهري ورجلي. الدولاب اكلتو. البلانكو جرّبتو. وذقت "الطقشة" ايضا (يقرفص فيضرب، ويقف (فيُرغم على الجلوس). بعد هذه المعاناة، رموني في زنزانة فردية (متران بمترين)، لها باب حديد من فوق. التحقيق كان نفسه كل يوم. التهم ذاتها والتعذيب عينه. في اليوم الواحد، يحققون معنا اكثر من عشر مرات".

بعد يومين على اعتقاله، ادرك بول ان رفاقه موقوفون معه حين قال له احد المحققين: "بدكن تموتوا، انت واصحابك إذا ما قلتو الحقيقة". ورددوا ايضاً: "الداخل مفقود والخارج مولود. انت طالع ع المزّة".

عندها شعر ان حياته انتهت هنا. تعرّض لابتزاز، ولترهيب لا يوصف. الغريب، انه لم يرَ وجه شخص طوال احتجازه في "البوريفاج"، الا داخل الزنزانة، عندما كان يشاهد مدنيين يقدمون له الطعام او... الضرب! وفي اليوم الاخير رأى عسكرياً وضابطاً اعلمه انه سيخرج.

كانوا يقدمون له الاكل على "تنكة"، و"الوجبة" الوحيدة في اليوم كانت من البرغل مع اللبن او الخيار وزجاجة ماء فيها حشرات. وكانوا يجبرونه على الاكل، والا فالعصا حاضرة.

كل هذه المرارة لا تقارن، بالنسبة الى بول، باللحظة التي ادرك فيها ان رفيقه ايلي بيطار يُضرب الى جانبه، مرميا على الارض. هما لم يشاهدا بعضهما، فالعينان معصوبتان، لكن كلاّب تعرّف الى "المير" من انينه، وصرخ بول: "ايلي... ايلي". فردّ عليه: "رحنا يا بول... رحنا...".

تلك الدقيقة يتذكرها جيداً بول، لكنه لا يتمالك نفسه لوصفها.

في اليوم الاخير، قال له المحقق: "بدّك تحكي والاّ بتقلّك بالبحر... وبتطلع ع المزّة. بدي موّتك. ولأنني لا اعرف ماذا سأجيب عن تهمة العمالة او المتفجرات، إذ كيف أجيب عن مسألة لا أعرفها، كانت النتيجة ان ربطوا حجر باطون برجلي وحملوني ثم رموني ارضاَ بعدما اوهموني اني على سنسول بحر وسمعت صوت مياه. عندما رموني صرخت بالمقلوب. كنت افضل ان اموت".

بعد ساعات، احضروا جميع المعتقلين الى حجرة كبيرة. كانوا حوالى 50 شخصاً. يشرح بول: "سلّمونا الهويات فقط من دون المال او اللوازم الاخرى. وقال لي احد العسكر (كان للمرة الاولى يرى فيها عسكرياً في "البوريفاج"): "طالع ع المزّة وبعدك عم بتفكر". فأدركت ان الجحيم ينتظرنا... لحظات ونقلونا الى غرفة اخرى. رأينا شخصاً ضخماً يجلس وراء مكتب. وقال لنا حرفياً: "أنا رستم غزالة بعلن انو عندكن اخلاء سبيل اليوم. شباب عرفنا الجهة التي كانت وراء المتفجرات. نعتذر منكم". ويتابع كلاّب مفصلا: "سأله احدهم: نحن اين؟ فأجابه: "أنتم في "البوريفاج". فأدركت أن البوريفاج كان جلجلتنا".

حين رأى بول الزنزانات على التلفزيون، بكى من قهره، من عذاباته وآلامه، لكنه لم يرَ الدم او الكتابة على الجدران" نظفوه قبل ان يرحلوا. كان المعتقلون يكتبون ببحصة او بالدم الذي ينزف منهم لشدة الضرب".

هو لم يكتب، واذا قدّر له ان يفعل ذلك، لكان كتب"بول كلاّب" الله يرحمني".

بكاء، دموع، حرارة... ليس هناك كلمات تصف شعور بول عندما وصل الى المنزل. لا ينسى تلك اللحظة، انما يعجز عن اخبارنا التفاصيل. فالغصة اخفت العبارات والحرقة كشفت الانين.

بعد الافراج، بقي يعاني التهاباً كلوياً لفترة طويلة ويأخذ دواء مهدئاً للأعصاب. يتذكر صاحب سيارة الاجرة التي نقلته من "البوريفاج" الى منزله، ولا يزال يحتفظ بالمناشير والخبر الذي صدر في "النهار" في 1 تشرين الثاني 1993، وفيه اسماء من اعتقل معه. يقول: "لا اخجل لانني سُجنت من اجل القضية السيادية".

"ولدوا الرعب"

الزنزانة العمومية في "البوريفاج" كانت تضم "رفاق العذاب" فقط في اليومين الاخيرين قبيل الافراج، فيما كان المعتقلون يمضون الايام او الاسابيع او الاشهر في زنزانات فردية.

والزنزانة الجماعية هي تلك التي ظهرت على التلفزيون. ابوابها حديد وفيها طاقة عالية مثقوبة بثقب أصغر من الاصبع الواحد. وتستوعب على الاكثر ثلاثة اشخاص، فيما كان عدد الموقوفين فيها يفوق ذلك بكثير، وفق ما يؤكد معتقلون سابقون. واللافت ان الزنزانات الفردية لم تصوّر بعيد الاخلاء.

جوني ميلان يدرك جيداً هذه الزنزانات. فهو مكث فيها تسعة ايام. (عمره كان 17 عاماً حين اختبر تلك التجربة الاليمة.

كان يعمل في جونيه. وبعيد 13 تشرين الاول 1990 شعر انه مراقب. اعتقل في الحدت رغم انه كان يقصدها نادراً بحكم عمله.

فجر ذلك اليوم المشؤوم، طوّقت منزله ثلاث سيارات واقتحم عقيد وكابتن وعسكريون غرفة نومه واقتيد بالسيارة حيث سمع انهم سيوقفون عثمان شيهون ويوسف برباري.

يتحدث بألم: "لم اعرف انني ذاهب الى "البوريفاج". في السيارة، ضربوني، وكان رأسي الى جانب قدمي".

وصل... وبين كلمة واخرى، ضرب متواصل بالرشاشات على الظهر والمعدة. لم يستطع ان يتكلّم. كل يوم، كانوا يوقفونه ثماني ساعات في الشمس والـChambre - air على عينيه. اتهموه برمي قنبلة، فيما أكد انه لم يزر البلدة منذ اكثر من ستة اشهر.

يصف: "التحقيق كان مرعباً. تلّقينا ضرباً لا احد يتحمّله. افعى في البرية لا تتعرّض لهذا الاذلال. هدّدوني بأنهم سيرمون عليّ بنزيناً، وكانوا يلوحون امام وجهي بمنديل تفوح منه رائحة البنزين.

تعذيب... بهدلة... ارهاب... لا اعرف. ارغموني على الغناء، والاّ كنت أضرب. ومراراً ارغموني على ترداد: "يعيش حافظ الاسد... يعيش... يعيش". لم ارَ وجه احد، لكني سمعت اللهجة اللبنانية".

وسائل التعذيب التي تعرّض لها ميلان هي نفسها، بلانكو، دولاب، فرّوج. والاكل كان رغيف خبز وعليه برغل، والدود في داخله. وفي احدى المرات، حين رفض الطعام، ضربوه على معدته بعصا طويلة وهو مرمي في زاوية يحاول بلع البرغل. "لم يفارقنا مرة الضرب. والكلمة الأكثر استعمالاً كانت "يا حيوان"، أما الشتائم فلا تُذكر".

حين اجتمع برفاقه في الزنزانة العمومية، كانوا يبولون في زجاجة ويرمونها من ثقوب الطاقة بعدما يحملون بعضهم.

كل يوم، كان يحفر جوني علامة صغيرة على الحائط تدل على عدد الايام التي أمضاها في "البوريفاج".

وفي اليوم التاسع، ابلغه غزالة انه سيخرج حين كان مع بول ورفاقه في الغرفة ورأى الضابط للمرة الاولى، تلك العبارة: "أنا رستم غزالة، بعلن انو عندكن اخلاء سبيل اليوم".

عندما وصل الى المنزل غاب عن الوعي ونُقل الى المستشفى حيث بقي أكثر من اسبوع في قسم العناية الفائقة.

حتى اليوم، لا يبدو ان جوني تخطّى الصدمة. هو يتناول حبوباً لتهدئة الاعصاب. يتكلم ويداه ترتجفان. خلال الاعوام الفائتة، فقد الأمل في الحياة والمستقبل. يقول: "من غير السهل ان يمر شاب في مقتبل العمر بهذه المعاناة. اليوم اشعر ان الظروف تغيّرت". وسرعان ما يردّد "انشالله ما حدا ينزل لتحت... (البوريفاج). ولّدوا الرعب والخوف في قلبي. لم أكن استطيع ان امرّ على حاجز سوري. كنت اتجنبّهم. لم اصعد الى البقاع ولم أزر الشمال. قبل عام، قلت ان الوضع تبدّل ولا بد من كسر الخوف، فصعدت. هناك اوقفني حاجز مخابرات سوري وطلب مني المال والسجائر. لم اتحمّل هذا المشهد. فضلت ان اموت في تلك اللحظة. شعرت اني سأُعتقل ثانية ومشهد "البوريفاج" سيطر على ذهني وتفكيري. وبعد حوالى ساعة من الذل، تركوني... احقد في شكل غير طبيعي على السوريين. اكرههم. للأسف، هم دفعوني الى ذلك".

إذلال...

هذا الشعور احسّه وليد الاشقر، ولكن بعد اربعة اعوام. في 1997، كان "التيار الوطني الحر" انطلق وبدأت تروّج معلومات عن تعامل ناشطيه مع الاسرائيليين.

الاشقر كان طالباً في جامعة البلمند، وظروف العمل السياسي المعارض في الشمال كانت اصعب من تلك المتوافرة في بيروت، وخصوصاً في تلك الفترة، وهو لهذا السبب، اعتقل اكثر من مرة لدى الاجهزة اللبنانية. انما في 1997، كان الاعتقال مختلفاً.

يتحدث: "يومها، اردت ان اكتب بياناً اعرّف فيه بالتيار. توجهت الى المكتبة التي اعتدت تصوير البيانات الاخرى فيها، لكنها كانت مقفلة، فذهبت الى اخرى لا اعرفها. صوّرت البيان ولم اوزّع اي نسخة منه بسبب عطلة نهاية الاسبوع. عدت مباشرة الى المنزل.

ليل الاحد. طرقوا الباب. دخل احدهم معرّفاً بنفسه بلهجة سورية: أنا المساعد علي. سأل عني. وقال: العقيد خليل بدّو يشوفك (وهو المسؤول عن المخابرات السورية). "يللا ناطرينك تحت". في السيارة، كان هناك شخص لبناني ينتمي الى حزب معروف ويسيطر على المنطقة. وصلت الى مركز المخابرات السورية في اميون ومكثت فيه حوالى ساعتين. كانت الشتائم خفيفة تترافق مع تهديدات. ثم قال لي العقيد خليل: "بكرا، منحكي بالموضوع". وأمر بمغادرتي شرط ان أعود العاشرة قبل ظهر اليوم التالي.

ذهبت الى المنزل، واتصلت بعدد من الاشخاص لأخبرهم ماذا حصل وابلغت ايضاً ادارة الجامعة".

في اليوم الثاني، قصد وليد المركز بعد تأكيدات بأن الأمر سوّي: "دخلت الغرفة نفسها. لم أجد أحداً. ثوان، اقتحم العقيد الغرفة قائلاً: "قاعد كمان!" وانهال عليّ بالضرب. حين وقفت شتمني. مردداً: "كيف تجرؤ على التحدث عنّا والاتصال لإخبار ما حصل معك؟" في تلك اللحظات، لم أستطع الكلام، فالقوة التي كنت اواجه بها الاجهزة اللبنانية اختفت. احساسي اختلف. كنت أجيب اللبنانيين بقوة ورأسي مرفوع، ولكن هنا، الشعور مغاير تماماً. اذلال... اذلال... اذلال. بعد دقائق ابرز العقيد البيان الذي كنت طبعته ولم أوزّعه وسألني: "هيدا شو؟". اجبت: "بيان"، وقبل ان اكمل، كان الضرب يوقعني. وبين صفعة واخرى، يصرخ: "مساعد علي... جيب الدولاب". حاولت ان امدّه ببعض الاجابات، فكشف ورقة كُتب عليها خمسة اسماء كانوا حينها من مندوبي "نهار الشباب" في الجامعة، وانا واحد منهم، فربط تلقائياً بينهم معتقداً انهم مجموعة واحدة يعدّون لعمل ما. في الواقع، كنت لا اعرفهم. هم مجرّد زملاء ولا علاقة لهم بـ"التيار الوطني الحر" وعندما اكدت له ذلك ضربني وطلب الدولاب.

نفد صبره ونقلني الى غرفة مجاورة. ارغمني على كتابة ورقة لا أذكر مضمونها لشدة الوهن والضياع والوجع.

بعدها، لم اعرف لماذا أمر بخروجي، لكنه طلب مني ان احضر مجدداً في اليوم التالي شرط ان يرافقني احد الاشخاص (من مندوبي "نهار الشباب" ويرد اسمه في اللائحة) الذي يظن العقيد انه صلة وصل بين المجموعة في الشمال و"التيار" في بيروت. وهددني الا اخبر احداً عما جرى".

ذهب وليد محاولاً الاستفسار عن منزل ذلك الشخص، فهو غير مستعد ان يذوق الدولاب او يتعرّض للشتائم والضرب. بعد جهد، نجح في "مهمته" واقنع الشخص بمرافقته لكنه أبلغ ادارة الجامعة بذلك والتي على ما يبدو اجرت الاتصالات اللازمة.

في اليوم الثالث، توجه الاشقر وزميله الى المركز نفسه. لم يتلقَ الضرب او الدولاب. "كان اللقاء بسيطاً وعابراً. شرط ألا نكمل نشاطنا...".

وأكمل النشاط... فاستمرت التهديدات. ولكن هذه المرة، كانت الاجهزة اللبنانية تتولى المهمة... وهو يشير الى انه في "اليوم الثاني من التحقيق في مركز اميون، دخل لبناني (حزبي) الغرفة تسلّم التحقيق واستجوبني". لا يستطيع وليد وصف هذا الاحساس. "كنت انتظر الموت. للحظة شعرت اني ميت. ذل... والحقد تملّكني".

طوال الاعوام التي تلت هذا التوقيف "الثلاثي"، كان الاشقر من "نزلاء" السجن، فتعتقله الاجهزة اللبنانية كلّما انطلقت تظاهرة او نظّم تحرك. في احدى المرات وخلال التحقيق في مركز لبناني، قالوا له: "نحنا هنا لنحميك بعدما تفتّحت العيون السورية عليك. عندما نحقق معك يشعرون اننا نقوم بواجبنا".

وكانت النتيجة، ان توالت الاستدعاءات والمحاكمات وذروتها في 1999، عندما اوقف بتهمة تزوير عملة. تعرّض حينها لأبشع انواع التعذيب. لم يتمكن لفترة طويلة من السير على رجليه.

ويرى ان كل هذه التوقيفات كانت "بسبب "الهيمنة السورية" والوصاية التي أحكمت قبضتها على نظامنا"، فحين تخفّ الاستدعاءات السورية، تتولى الاجهزة اللبنانية ذلك، واعظمها كان في حوادث 7 آب الشهيرة.

الاشقر الذي عانى كثيراً بسبب الوجود السوري في منطقته يتذكّر جيداً كيف كان ينتظر طويلاً امام حاجز السوريين في البحصاص لتفتيش السيارات وابتزاز المواطنين. وهو اليوم يشعر بفرح عظيم بعد "الجلاء السوري": "امنيتي كانت ان اقصد ذلك المركز الرهيب واجلس مكان العقيد. كنت احب ايضاً ان أُنزل تمثال (الرئيس) حافظ الأسد في ساحة حلبا، لكنني لم استطع، فهم انزلوه قبل ان يرحلوا".

... اذا كان من ايجابيات تُستخلص من هذه الشهادات فهي قول احدهم: "لو قبلنا بالواقع لما كنا وصلنا اليوم الى استرجاع حقنا في السيادة والاستقلال. عرفنا معنى الاحتلال وسنقدّر اكثر من سوانا نعمة الحرية. لقد صرنا نملك قصة نرويها لأولادنا